معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

لحوم “مذوّبة” في مطاعم… فمن يختم على الفساد بالشمع الأحمر؟

المساعدة البصرية: حجم الخط

دخل الزبائن إلى مطعم في وسط بيروت لتناول وجبةٍ عادية، فخرج بعضهم إلى أقسام الطوارئ. وتحرّكت البلدية ليلًا، فأقفلت المطعم ثم المستودع الذي يزوّده باللحوم. مشهدٌ يتكرّر حتى صار مألوفًا، ويعيد طرح السؤال نفسه: كم مرّةً يجب أن يُختم المكان ذاته قبل أن يُقفل الملف نهائيًا؟

 

مداهمة مطعم “Nadini”

داهمت دائرة الصحة في بلدية بيروت والحرس البلدي، بمؤازرة دورية من مخابرات الجيش، مطعم “ناديني” في وسط العاصمة، على خلفية تسجيل حالات تسمّم غذائي فيه، . وانتهت المداهمة بإقفال المطعم وختمه بالشمع الأحمر.

من المطعم إلى المصدر: مستودع بلا ترخيص

لم تتوقّف المتابعة عند باب المطعم. فبحسب بيان دائرة العلاقات العامة في بلدية بيروت، وتنفيذًا لتوجيهات محافظ بيروت القاضي مروان عبود، تحرّكت مصلحة المسالخ عند العاشرة من مساء الثلاثاء، إثر معلومات من قسم الترصّد الوبائي في وزارة الصحة العامة عن حالات تسمّم استدعت نقل المصابين إلى المستشفيات، داخل بيروت وخارجها.
وقادت عملية تتبّع مصدر التسمّم إلى مستودع “رهامكو” في منطقة الروشة – شارع أوستراليا، العائد لمحمد علي المصري. ونفّذت مصلحة المسالخ الكشف بمؤازرة مخابرات الجيش، مكتب الحمراء وفوج حرس مدينة بيروت. وتبيّن أنّ المستودع يعمل من دون ترخيص، ولا يستوفي أدنى الشروط الصحية، وفيه تجهيزات لتذويب اللحوم المجمّدة وتقطيعها وتجهيزها.
وأشار البيان إلى شبهات بممارسات في البيع تشمل خلط اللحوم الطازجة بالمستوردة وتذويب المجمّد منها، لافتًا إلى أنّ المستودع يزوّد عددًا من المطاعم باللحوم، من بينها المطعم الذي سُجّلت فيه حالات التسمّم.
على الأثر، أقفلت مصلحة المسالخ المستودع وختمته بالشمع الأحمر، بموجب قرار فوري صادر عن المحافظ عبود حمل الرقم 872/ب بتاريخ 27-10-2026، في انتظار استكمال التحقيقات وتحديد المسؤوليات. وأكّد عبود أنّ “سلامة الغذاء خط أحمر”، متعهّدًا بتكثيف الرقابة على منشآت تخزين اللحوم وتداولها، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

الشمع الأحمر: إقفال مؤقّت لأزمة مزمنة؟

غير أنّ الحادثة لا تبدو معزولة، فقضية المسالخ التي تبيع لحومًا فاسدة، والمخازن التي تذوّب المجمّد لتعيد بيعه على أنه طازج، تعود إلى الواجهة مع كل حالة تسمّم. وفي كل مرة يتكرّر السيناريو نفسه: مداهمة، فشمع أحمر، ثم عودةٌ هادئة إلى العمل بعد انحسار الضجّة، على الرغم من تقارير متكرّرة وأصوات تطالب بحلّ جذري.
وكان آخر فصول هذا الملف تقريرٌ بثّته قناة “الجديد” مؤخرًا عن مسالخ في منطقة صبرا، أظهر أنها تعمل منذ سنوات من دون حسيبٍ أو رقيب.
يبقى ما جرى في الروشة ووسط بيروت، في هذا التقدير، عيّنةً من أزمة أوسع، تطرح أسئلة لم تجد جوابًا بعد: كيف يعمل مستودع بلا ترخيص ويزوّد مطاعم في قلب العاصمة؟ ومن يضمن ألّا يُفكّ الشمع الأحمر بصمت بعد أسابيع؟ وهل ينتظر المستهلك اللبناني حالة التسمّم التالية كي تتحرّك الرقابة من جديد؟