معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

جنبلاط… والذكاء الذي اخترعه الآخرون

المساعدة البصرية: حجم الخط

ثمة أسطورة متداولة في لبنان مفادها أن وليد جنبلاط “يلتقط الحدث”. تسمعها في الصالونات وعلى الشاشات حتى تحولت إلى مسلّمة لا تُناقَش. لكن حين تضع النتائج أمامك، تجد نفسك أمام سؤال محرج: ماذا أنجز هذا الذكاء المزعوم؟

 

اشتراكية بلا اشتراكيين

الحزب التقدمي الاشتراكي اشتراكي بالاسم فحسب. لم يُعرف جنبلاط يوماً بمعركة اجتماعية حقيقية، ولا بمشروع اقتصادي يخدم الطبقات التي يدّعي تمثيلها. الاشتراكية عنده موروث عائلي لا قناعة أيديولوجية، وهذا الفارق ليس تفصيلاً — هو جوهر المسألة كلها.

الأسد: لا في التحالف ربح، ولا في الانقلاب انتصر

مسيرته مع بشار الأسد كتاب مفتوح في التردد. تحالف معه حين ظن دمشق ستبقى القوة المهيمنة، ثم انقلب عليها بعد اغتيال رفيق الحريري. لكنه لم يقطف ثمار أيٍّ من الموقفين. الانقلاب على الأسد منحه شعبية لحظية سرعان ما ذابت حين تبيّن أن ما قدّمه لم يكن مبدأً، بل قراءةً للمشهد أخطأت هي الأخرى في منتصف الطريق.

اللقاء الديمقراطي: واجهة تآكلت

ثم جاء تبخّر اللقاء الديمقراطي ليكشف أن جنبلاط لم ينجح في بناء تكتل سياسي يتجاوز الزعامة الدرزية. كان يُفترض أن يكون جسراً نحو تمثيل وطني أوسع. صار واجهة تتآكل مع كل استحقاق. النواب تفرقوا، والتحالفات تشققت، وما بقي هو الثقل الطائفي لا الحضور الوطني.

بري… رهان من لا رؤية له

واليوم يسير جنبلاط في ركب نبيه بري، الذي أتقن طوال عقود فن الإمساك بالملفات لا حلّها. هذا التحالف لن يوصله إلى مكان واضح. وحين تتكئ زعامة على قوة شخص آخر في غياب أي رؤية مستقلة، فهذا بالضبط ما تفعله الزعامات حين تستنفد مشروعها.

الرفض بلا بديل

رفض جنبلاط اتفاق الإطار الذي يشكّل اليوم الأرضية الأكثر واقعية للبنان المقبل. الرفض حق مشروع. لكن السياسة لا تقبل الفراغ — من رفض عليه أن يطرح البديل. وهنا الصمت مدوٍّ. لا رؤية، لا تحالف، لا خطاب. مجرد رفض معلّق في الهواء.

في نهاية الحساب

هذا هو “الذكاء” الذي نتحدث عنه: ذكاء صنعه الآخرون حين أخافهم، وحين أوهمهم أنه يمسك بخيوط لا يمسك بها. والحقيقة أن ما أتقنه جنبلاط فعلاً هو جعل الآخرين يؤمنون بذكائه. وهذه مهارة، لكنها ليست مشروعاً ولا إرثاً. هي فن البقاء — وهذا، في نهاية المطاف، أقل مما يدّعي، وأقل مما يستحقه وطن.

 

إقرأ أيضاً: الشّرع مرّر سلاحاً للحزب: عدوّان تجمعها مواجهة إسرائيل؟