كلام الرئيس نبيه برّي في حديثه الصحافي اليوم لم يكن موقفاً عابراً بقدر ما كان مرآة لمزاج شيعي عام تبدّل بعد الحرب، وبات أقرب إلى السلام منه إلى الشعارات.
نهاية زمن الاصطفاف الأعمى
لسنوات طويلة، كان الخطاب الشيعي الرسمي في لبنان محكوماً بمعادلة واحدة: كل ما يخدم “محور المقاومة” مقبول، وكل ما عداه خيانة أو تفريط. الحرب الأخيرة، بكلفتها البشرية والعمرانية الهائلة على البيئة الشيعية تحديداً، كسرت هذه المعادلة من الداخل.
برّي، بحكم موقعه وعمره السياسي، التقط أنّ الناس الذين يمثّلهم ما عادوا يقبلون بأن يُدفَع ثمن مشروع إقليمي لا سيطرة لهم عليه ولا حصّة لهم في قراره. حين يمتدح الرياض بهذا الوضوح، وحين يتحدّث عن “ضمانة ثلاثية” لا يمثّل فيها حزب الله طرفاً، فهو لا يجامل أحداً بقدر ما يترجم إحساساً شعبياً بالإرهاق تراكم على مدى عام ونصف العام من الحرب.
من “ثقافة المقاومة” إلى “ثقافة الاستقرار”
اللافت في موقف برّي أنّه لا يقدّم انفتاحه على السعودية وسوريا الجديدة وبعبدا والسرايا كخيار تكتيكي مؤقت، بل كموقف مبدئي يعيد تعريف أولويات الطائفة. حين يذكّر بأنّه “الشيعي الوحيد الذي لم يتورّط في الحرب السورية”، فهو يستحضر رصيداً سياسياً راكمه بمعزل عن حزب الله، ليقول ضمناً إنّ هناك مساراً شيعياً آخر كان قائماً طوال الوقت، ولم يكن يحتاج إلى مبرّر أيديولوجي ليثبت شرعيته. هذا التمايز، الذي كان يُصاغ سابقاً بحذر شديد خوفاً من كسر “وحدة الصفّ الشيعي” مع حزب الله وإيران، بات اليوم يقوله برّي علناً وبثقة. وهو مؤشّر على أنّ سقف الاختلاف داخل البيئة الشيعية اتّسع. وهذا يعطي مشروعية لكلّ معارض شيعي يقف إلى جانب السعودية بمواجهة منطق الحرب.
العلاقة مع يزيد بن فرحان كرمزية لا كبروتوكول
حديث برّي عن الأمير يزيد بن فرحان لم يكن مجاملة دبلوماسية عابرة، بل استثماراً في علاقة شخصية يريد تظهيرها كقناة بديلة عن القنوات التقليدية التي احتكرها حزب الله لعقود في التعامل مع الخليج. حين يصفه بـ”الذكاء الشديد والتمحيص إلى حد المبالغة”، فهو يقرّ ضمناً بأنّ الرياض لم تعد تتعامل مع الملف الشيعي اللبناني من خلف حزب الله، بل مباشرة، عبر شخصيات شيعية مستعدّة للتفاوض والانفتاح. هذا بحدّ ذاته تحوّل بنيوي: كسر احتكار التمثيل الشيعي الذي بناه الحزب منذ التسعينات في علاقة الشيعة اللبنانيين بالخارج.
يأتي هذا الكلام أيضاً في عزّ حملة مسعورة يقودها ابراهيم الأمين في جريدة “الأخبار” ضدّ الأمير يزيد. ما يؤكّد أنّ برّي يبعث رسالة “تدميرية” لكلّ هذه الحملة الهوجاء المستمرّة منذ عام ونصف العام.
إشادة ترامب… والدور السعودي
وحين قال الرئيس برّي: “من تحبّه السعودية يحبّه العالم كلّه”، كان يقصد إشادة الرئيسين جوزاف عون ودونالد ترامب به من البيت الأبيض. حيث أنّ “حاكم العالم” أشاد به في عزّ التهديدات بأنّه سيتلقّى عقوبات أميركية. وبرّي يعرف أنّ الدور السعودي هو الذي يحميه أميركياً ويؤمّن له غطاءً عربياً ودولياً.
التقارب مع عون وسلام: تطبيع لا مصادفة
الانسجام الذي يصفه برّي مع رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، رغم اختلاف الخلفيات السياسية، يعكس رغبة في تثبيت شراكة مؤسساتية تتجاوز الاصطفافات الطائفية التقليدية. برّي هنا لا يتموضع كحليف تقليدي لحزب الله داخل السلطة، بل كشريك في مشروع دولة يعيد فيه إلى المؤسسات الدستورية موقعها. وهو خطاب يقترب من خطاب المعارضة الشيعية أكثر مما يقترب من خطاب “الثنائي الشيعي” الذي عُرف به لعقود.
مزاج شيعي جديد يبحث عن ترجمة سياسية
ما يقوله برّي اليوم لا يمكن فصله عن مزاج شعبي شيعي أوسع، أنهكته الحرب وخسائرها، وبات يبحث عن مخرج من دائرة المواجهة الدائمة. برّي لا يقود هذا التحوّل بقدر ما يتقدّم عليه بخطوة، مستشعراً أنّ من يمثّل بيئة تريد الاستقرار لا يمكن أن يبقى أسير خطاب المواجهة إلى ما لا نهاية.
اقرأ أيضاً: نبيه برّي يكشف “تنسيقه” مع سلام… رسالة إلى مَن؟