كتبت ديما صادق تغريدة تتمنى فيها أن يُسقط عرب إسرائيل نتنياهو، فردّ نديم قطيش بسؤال واحد: كيف يملك العرب هذه القدرة في دولة توصف بأنها “دولة إبادة”؟ سؤالٌ فتح نقاشاً امتدّ أياماً على منصة “إكس”، وتحوّل إلى أحد أبرز السجالات حول الانتخابات الإسرائيلية.
من “يوم المحاسبة” إلى سؤال المفارقة
أطلقت الإعلامية ديما صادق النقاش بمنشور رأت فيه أنّ عرب إسرائيل سيُسقطون من وصفته بـ”مجرم الحرب” نتنياهو، وأنّ يوم الاقتراع هو “يوم المحاسبة” على ما جرى في غزة ولبنان والضفة الغربية، ختمته بدعاء لهم بالنجاح في “مهمتهم التاريخية”.
لم يناقش نديم قطيش الأمنية، بل التقط ما رآه تناقضاً فيها: كيف يملك العرب هذه القدرة إذا كانت إسرائيل “دولة إبادة عنصرية”؟ ولماذا تسمح دولة كهذه للعرب بأن يكونوا جزءاً من تكوينها؟
جاء ردّ ديما سريعاً: لا أحد شكّك يوماً في أنّ إسرائيل دولة مؤسسات في الداخل، يُتداول فيها الحكم بانتخابات يشارك فيها العرب واليهود، وهي في الوقت نفسه ترتكب مجازر وإبادة في غزة. والخلاصة عندها: “لا يوجد أي تناقض”.
“الإبادة”: نصّ القانون أم لغة التعبئة؟
رفض قطيش اعتبار سؤاله خروجاً عن الموضوع، فاستخدام كلمة “إبادة” تلقائياً، في رأيه، يخلط بين الخطاب السياسي التعبوي والتعريف القانوني، ولهذا الخلط كلفة استراتيجية على أي مسار سلام.
استند في حجته إلى اتفاقية 1948 التي تشترط “قصداً خاصاً” لتدمير جماعة محمية بصفتها تلك، لافتاً إلى أنّ المحاكم الدولية تعاملت مع اتهامات مشابهة باحتراز، وميّزت بين عمليات عسكرية بخسائر مدنية مرتفعة، ولو كانت مخالفة لقوانين الحرب، وبين الإبادة. وذكّر بأنه لا يوجد حتى الآن حكم دولي قطعي بهذا التوصيف، رغم وجود قضايا معلّقة.
وأضاف قطيش، استناداً إلى ما قال إنها جداول وزارة الصحة التابعة لحماس، أنّ عدد المواليد تجاوز الوفيات المسجّلة في فترات من عام 2025، معتبراً ذلك غير متّسق مع توصيف “الإبادة المكتملة الأركان”، من دون أن ينفي فداحة المعاناة الإنسانية في القطاع.
ثم نقل النقاش إلى السياسة: إذا كانت إسرائيل “دولة إبادة” صار كل تفاوض أو ترتيب أمني تواطؤاً، فيُغلق الباب أمام أي خيار واقعي. ورأى أنّ خطاب “محور المقاومة” يوظّف المصطلح لإضفاء شرعية على مشروع إزالة إسرائيل، لا لوصف ما يجري، مشدداً على أنه لا يدافع عن سمعة إسرائيل بل عن “لغة دقيقة” تتيح التمييز بين الانتهاكات والتوصيفات المطلقة.
مَن هو “الإسرائيلي”؟
لم تردّ ديما صادق على الشق القانوني مباشرة، بل نقلت السجال إلى ملعب الأرقام بمفارقة صاغتها على شكل لغز: أغلبية الإسرائيليين صوّتت لآيزنكوت والمعارضة، وأغلبيتهم صوّتت أيضاً لنتنياهو والليكود. والعبارتان صحيحتان معاً، بحسب تعريف “الإسرائيلي”.
فإذا كان كل المواطنين، يهوداً وعرباً، إسرائيليين، فالأغلبية للمعارضة، بفضل المشاركة العربية الكثيفة والمقاعد الـ19. أما إذا كان “الإسرائيلي” هو اليهودي وحده، فالأغلبية لنتنياهو، ويصبح العرب مجرد “كمالة عدد”.
وتوقفت عند إعلان آيزنكوت رفضه تشكيل ائتلاف مع الأحزاب العربية، معتبرة أنه سار، ومعه معظم المعارضة، في معادلة فرضها نتنياهو واليمين حين جعلا التحالف مع العرب مرادفاً لـ”الخيانة”. وسألت: العرب يصوّتون ويدفعون الضرائب، وليسوا حزباً فاشياً يُستحى من التحالف معه، فلماذا يُرفضون شركاءً؟
وخلصت إلى أنّ الصوت العربي يبدو مقبولاً حين يُحصى في الأرقام، ومرفوضاً حين تُترجم الأرقام إلى شراكة في الحكم. وهنا، برأيها، يُطرح السؤال عن حدود “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”.
سابقة 2021: استثناء أم دليل؟
واجه قطيش هذه القراءة بالتاريخ القريب. ففي 2021 دخلت “القائمة العربية الموحّدة” (رعم) بزعامة منصور عباس الائتلاف الحكومي بأربعة مقاعد، كانت حاسمة في بلوغ الأغلبية الضيقة (61 مقعداً) التي أوصلت نفتالي بينيت ويائير لابيد إلى الحكم وأقصت نتنياهو، مقابل ميزانيات ومناصب للمجتمع العربي، ولو محدودة.
لكنه أقرّ بأن ذلك وليد لحظة سياسية مختلفة، وأنّ المناخ اليوم “شعبوي عنصري” مرتبط بما بعد 7 أكتوبر. ومشكلته مع تحويل موقف ظرفي إلى “جوهر” ثابت لإسرائيل، مستحضراً من لبنان “القانون الأرثوذكسي” مثالاً على خيار وليد لحظته لا تعبيراً عن طبيعة نهائية لأصحابه.
ردّت ديما بأنها لم تزعم أنّ إسرائيل لا تعترف بعرب الداخل “بالمطلق”، بل أشارت إلى خلل مؤسساتي أظهرته هذه الانتخابات تحديداً: 67 مقعداً ضد نتنياهو مقابل 53 لمعسكره، و19 مقعداً عربياً لا يريد أحد ترجمتها إلى شراكة حكومية. وذلك، بتعبيرها، “خلل مؤسساتي فاضح”.
فجاء سؤال قطيش الأخير، مختصراً الخلاف كله: إن كان الخلل مؤسساتياً، فكيف دخل العرب حكومة بينيت ونجحوا في إقصاء نتنياهو عام 2021؟
سجالٌ يحسمه الائتلاف المقبل
لم يكن الطرفان يتجادلان حول الوقائع بقدر ما كانا يقيسانها بمسطرتين مختلفتين. ديما تقيس الديمقراطية بنتيجة اللحظة: أغلبية عددية لا تتحوّل إلى سلطة. ونديم يقيسها بالسوابق والسياق: باب فُتح مرة، فلا يصحّ وصفه بأنه مُغلق بطبيعته.
واللافت أنّ الطرفين يلتقيان، من حيث لا يعلنان، عند نقطة واحدة: كلاهما يقرّ بأن العرب اليوم خارج حسابات الحكم. ديما تسمّي ذلك خللاً مؤسساتياً، ونديم يسمّيه مناخاً شعبوياً عابراً. والفارق بين التسميتين هو بالضبط ما ستكشفه مفاوضات تشكيل الحكومة المقبلة.
فهل تبقى المقاعد الـ19 رقماً في محضر الفرز، أم تصير شريكاً على طاولة الحكم؟ الجواب لن يحسم السجال بين إعلاميَّين فحسب، بل سؤالاً أكبر عن معنى المواطنة في دولة تحتفي بأنها “الديمقراطية الوحيدة” في المنطقة.