تحوّلت الأجواء الأوروبية خلال أسبوع واحد إلى مسرح لحرب من نوع غريب، ثماني عشرة رسالة تهديد كاذبة في يوم واحد كانت كفيلة بأن تطرح سؤالاً يتجاوز أمن الطيران: هل تخوض أوروبا معركة صامتة مع خصوم لا يظهرون؟
الخميس الأسود: 18 إنذاراً في ساعات
شهد يوم الخميس 5 تشرين الثاني الموجة الثالثة من الإنذارات الكاذبة خلال أسبوع، إذ تلقّت شركات طيران عدة، بين الصباح والظهيرة، تهديدات بوجود متفجرات على متن رحلاتها، ما أجبر بعضها على تغيير وجهتها أو الهبوط في مطارات غير مقررة.
وطالت التهديدات ثلاث طائرات لـ”رايان إير” متجهة إلى صوفيا من مدريد وكوبنهاغن ولندن ستانستد، فهبطت اثنتان في العاصمة البلغارية، فيما حُوّلت الثالثة إلى مطار بلوفديف، وأسفر تفتيشها جميعاً عن لا شيء. وفي التشيك، تلقّت الشرطة تهديداً يخصّ أربع طائرات متجهة إلى براغ، بينما حُوّلت رحلة لـ”إير لينغوس” بين دبلن وروما إلى قاعدة إيفرو الجوية في فرنسا.
أما “فين إير”، فرافقت مقاتلات إيطالية إحدى رحلاتها القادمة من هلسنكي حتى مطار فيوميتشينو في روما، من دون رصد أي خطر، فيما تلقّت رحلة ثانية للشركة بين هلسنكي وفيينا إنذاراً مماثلاً. كذلك شمل التهديد طائرتين لـ”ويز إير” أقلعتا من ميلانو مالبينسا نحو بوخارست ووارسو، وانتهى المطاف بالثانية في فيينا.
الجمعة: الموجة لا تهدأ
لم تحمل الجمعة 6 تشرين الثاني أيّ انفراج، إذ تواصلت التهديدات لليوم الثاني على التوالي. ففي براغ، أكّد المطار تأثّر تسع رحلات بتهديدات صباحاً، فيما حُوّلت رحلة لـ”ويز إير” من براغ إلى روما نحو فيينا. وفي إيطاليا، خضعت رحلة لـ”رايان إير” من روما إلى لشبونة لإنذار أمني إثر اتصال مجهول ببرج المراقبة في مطار فيوميتشينو، قبل أن تهبط في العاصمة البرتغالية.
وأعلن مكتب رئيس الحكومة الفرنسية تسجيل أربعة إنذارات جديدة تخصّ طائرات تعبر الأجواء الفرنسية، هبطت جميعها بسلام، بينما تلقّى الحرس المدني الإسباني خلال عشرين دقيقة ثلاثة تهديدات بالبريد الإلكتروني طالت رحلتين لـ”إير أوروبا” من مدريد إلى باريس وأربع رحلات لـ”إيبيريا” قادمة من روما وميلانو. ولم يسلم مطار هيثرو اللندني، كما امتدّت التهديدات إلى وسائل إعلام أوروبية. ومرة جديدة، لم يُعثر على أيّ جسم مشبوه ولم تُسجّل إصابات.
موجات متلاحقة منذ مطلع الأسبوع
يوم الاثنين 2 تشرين الثاني، اضطرت رحلة لـ”ويز إير” من مطار لوتون اللندني إلى صوفيا للهبوط في بودابست إثر بلاغ مماثل. وبعد يوم واحد، طالت التهديدات عشر رحلات، بينها أربع لـ”رايان إير”، ورحلتان إلى وارسو تابعتان لشركتي SAS الإسكندنافية وLOT البولندية، إضافة إلى رحلة لـ”ويز إير” من بيرغامو إلى صوفيا. وفي كل الحالات، جاءت نتائج التفتيش سلبية.
بريد مجهول وأصابع اتهام
أوضحت المتحدثة باسم مطار براغ أنّ التهديدات وصلت عبر البريد الإلكتروني من عناوين مجهولة المصدر. وكان مسؤول أمني فرنسي قد حذّر، أمام جلسة استماع برلمانية أواخر الشهر الماضي، من تصاعد ما وصفه بالهجمات الهجينة بأشكالها المختلفة، من التخريب والهجمات الإلكترونية إلى المسيّرات والتجسس. وفي السياق نفسه، وصف وزير الخارجية الإسباني ما تواجهه القارة بعدوان هجين وشكل من أشكال الحرب النفسية، فيما رأى مفوّض النقل الأوروبي أنّ من المبكر الجزم بوجود رابط بين هذه التهديدات.
يدرج مسؤولون أوروبيون هذه الإنذارات ضمن الهجمات الهجينة التي تستهدف القارة، ويربطون بعضها بروسيا أو إيران، غير أن أي جهة رسمية لم تُعلن حتى الآن عن دليل قاطع يحدد مصدرها. وإذا صحّت هذه التقديرات، فإنّ الهدف لا يبدو إيقاع خسائر بشرية، بل استنزاف المنظومات الأمنية وزرع القلق في واحد من أكثر القطاعات حساسية، بكلفة شبه معدومة على المهاجم.