معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

سجّانو الأسير: نوّاب الزور السنّة.. ومعلّمهم بوصعب و”الثنائي”

المساعدة البصرية: حجم الخط

ثمة مفارقة تلفت إليها حنا آرندت حين تقول إنّ الدول لا تسقط بفعل أعدائها الخارجيين، بل في اللحظة التي تفقد فيها قدرتها على إنتاج العدل بوصفه معياراً موحداً… عندها تتحول القرارات القضائية والإدارية من أدوات للحوكمة إلى أدوات لصناعة الرموز، والرموز إلى أساطير، والأساطير إلى حرائق لا تُطفأ بسهولة.

 

هذا بالضبط ما يجري في ملف الشيخ أحمد الأسير.

حين شرع النواب السنّة في التحضير لقانون العفو العام، كانت الصيغة الأولى مصاغة على قياس الأسير تحديداً. لم يكن ذلك مزاجاً طائفياً أو عصبية ضيقة بل قراءة سياسية ناضجة في ضوء المتغيرات الإقليمية

فالأسد سقط وثورة الشعب السوري انتصرت، تراجعت قبضة الحزب (أو هكذا كانوا يعتقدون)، وانتفت الذرائع التي أدير على أساسها هذا الملف طوال سنوات. لحظة بدت مؤاتية ونادرة لطي صفحة مجحفة بحقّ الرجل الذي ذنبه الأساسي أنّه وقف في وجه الحزب يوماً وقال له “لا”.

الياس بوصعب ذراع الحزب

لكن النائب إلياس أبو صعب، الذراع التنفيذي للحزب قبل “الثنائي” في المجلس النيابي، تولّى مهمّة تحويل هذا القانون من عفو على قياس العدل إلى عفو على قياس الحشاشين وتجّار المخدّرات.

الصياغة تبدّلت، والمعايير تحوّلت، والنتيجة واحدة: يخرج جمهور الممانعة من السجون والأسير يبقى في السجن.

شرعية سنيّة مشبوهة

وكي لا تبدو العرقلة عارية من أي غطاء، جمعت حول أبو صعب أربعة وجوه سنية (بلال الحشيمي، نبيل بدر، وليد البعريني، عماد الحوت). تحدّثوا أمام الكاميرات بلغة الحرص والمسؤولية، فيما كانت في الغرف المغلقة تؤمن الميثاقية السنية اللازمة لتمرير الاستثناء. الصيغة ذاتها التي عرفها اللبنانيون جيدًا في سنوات الوصاية، أُعيد تدويرها بوجوه جديدة.

الواضح قبل “الثنائي” الرافض لإخراج الأسير من منطلق الخوف من رجل يقول لهم “لا” بصوت عالي، هنالك الشخصيات السنية، من تيار المستقبل إلى الجماعة الإسلامية، تتحرّك بقلق واضح حيال الإفراج عنه. ليس لأسباب قانونية أو أمنية، بل لأنّ الأسير الحرّ يهدّد زعامات لطالما احتكرت خطاب المظلومية السنية دون أن تفعل شيئًا حين كان مسجده يقصف، ولا حين كانت العدالة تستباح. هؤلاء لا يخشون الأسير الإنسان، بل يخشون الأسير المرآة التي تعكس غيابهم الطويل وصمتهم الأطول.

أحداث عبرا والحزب

والوقائع الموثّقة لأحداث عبرا في صيدا لا تحتمل اللبس. فالفيديوهات أثبتت أنّ الحزب هو من بادر إلى إطلاق النار على الأسير ومسجده في عبرا، وأنّ عناصر أمنية لم تكتفِ بالتغطية على الميليشيا بل شاركت في العملية. رجل استهدف بسلاح ميليشيا خارج الدولة، ثم حوكم هو وحده، فيما بقي من بدأ المعركة طليقاً يتمتّع بحصانة الدويلة. هذا ليس قصوراً في العدالة. هذه عدالة مقلوبة، موثّقة وممنهجة.

الشارع السنّي الذي عاش منذ العام 2005 تحت الهيمنة الأمنية لدويلة الحزب، يعرف جيّداً كيف تصنع هذه الأغطية الميثاقية. ومتى يكون التمثيل السياسي واجهة لا قرارا. ولهذا فإنّ كل يوم يمضي والأسير خلف القضبان في ظل هذه المعادلة المتبدلة، يُرسّخ في الوعي الجمعي للسنّة معادلة بسيطة وفتاكة وهي: رجل وقف في وجه الحزب ومع ثورة الشعب السوري، لا يزال في السجن بعد كل الذي تغير في الإقليم.

هذه الجملة لا تحتاج إلى تفسير. تكفي وحدها لتتحوّل من واقعة قضائية إلى رمز، ومن رمز إلى أسطورة، ومن أسطورة إلى حالة عابرة للمناطق من عكار إلى البقاع.

الدولة التي تحجم عن إغلاق هذا الملف بعدالة حقيقية لا تكون محايدة. تكون شريكة في صناعة هذه الأسطورة، بكلفة لن يعرف أحد سقفها… قبل أن تنفجر الطائفة السنيّة في وجه المظلومية.

 

اقرأ أيضاً: زيارة “الترويض” إلى الزنزانة: ماذا طُلب من أحمد الأسير مقابل الحرية؟