معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

“الأبَد” يحاصر الجامعة اللبنانية: ولاية مدى الحياة؟

المساعدة البصرية: حجم الخط

المسألة أبعد من السياسة التربية. يمكن القول إنّها “فلسفية”، تتعلق بطبيعة إدارة الجامعة اللبنانية: هل هي مؤسسة تقوم على التداول والانفتاح، أم تتّجه نحو مركزية مفرطة تقوّض مبدأ التداول؟ ومن يريد فرض “الأبد” و”الرئاسة مدى الحياة”؟

 

قام القانون 66، المتعلّق بولاية المجالس الأكاديمية في الجامعة اللبنانية، على مبدأ المداورة في المسؤوليات الأكاديمية، بهدف إتاحة الفرصة أمام أكبر عدد من الأساتذة لتولّي مواقع قيادية داخل الجامعة.
لذلك حُدّدت ولاية رئيس الجامعة بخمس سنوات غير قابلة للتجديد، إلى جانب تحديد ولايات العمداء والمدراء، في إطار رؤية تهدف إلى الاستمرار في ضخّّ دم جديد داخل شرايين الإدارة الجامعية ومنع احتكار السلطة الأكاديمية.
فما الذي تغيّر حتّى نقترب من “الولاية مدى الحياة”؟

ولاية ثانية “قابلة للتجديد”: “إلى الأبد”؟
في خطوة أثارت جدلًا واسعًا في الأوساط الأكاديمية والسياسية، أقرت لجنة التربية النيابية اقتراح تعديل على القانون رقم 66 (تاريخ 4/3/2009) المتعلق بتنظيم المجالس الأكاديمية في الجامعة اللبنانية، بما يسمح لرئيس الجامعة بالترشح لولاية ثانية. خطوة تبدو في ظاهرها تقنية، لكنها في مضمونها تطرح أسئلة عميقة حول فلسفة هذا القانون وروحيته.
فالتعديل المقترح يجيز التجديد. لكنّه خرقٌ واضحٌ لجوهر هذا القانون. إذ يفتح الباب أمام تكريس المواقع بدل تداولها. فعبارة “قابلة للتجديد” لا تقف عند حدّ الولاية الثانية، بل تثير مخاوف من تمديد غير مباشر قد يُفرغ مبدأ “تحديد المهل” من مضمونه، ويحوّل المنصب إلى موقع شبه دائم.
ويطرح المدافعون عن التعديل حجّة مفادها أنّ الولاية الواحدة لا تكفي لتنفيذ “مشروع” متكامل لرئيس الجامعة. إلا أنّ هذا الطرح يقابله سؤال جوهري: أيّ مشروع نتحدّث عنه؟ وهل تم أصلًا اعتماد مشروع واضح صادقت عليه السلطة التنفيذية عند تعيين الرئيس الحالي؟ أم أنّ المسألة تتجاوز فكرة المشروع إلى إعادة إنتاج السلطة نفسها؟

غياب مجلس الجامعة: من هي المرجعية؟
إلى جانب ذلك، يبرز إشكال قانوني آخر يتصل بآلية التعيين. فالقانون ينص بوضوح على أن مجلس الجامعة هو الجهة المخولة اختيار ثلاثة أسماء تُرفع إلى مجلس الوزراء ليتم تعيين أحدها رئيسًا. لكن في ظل غياب مجلس الجامعة حاليًا، يتم عمليًا تجاوز هذا النصّ، بحيث يختار الوزير ورئيس الجامعة نفسه تلك الأسماء. ما يطرح علامات استفهام جدية حول تكافؤ الفرص وشفافية الترشيح.
فهل يمكن لمن يترشّح أن يكون في موقع التأثير على اختيار المرشحين؟ وأين تكمن العدالة في هذه العملية؟
هذه تساؤلات تعكس مخاوف من وجود تضارب بنيوي في التطبيق القانوني، يهدّد مبدأ المنافسة العادلة.
التعديل الذي أُقر في لجنة التربية، بمشاركة عدد من النواب، سيُحال إلى الهيئة العامة لمجلس النواب للتصويت عليه. إلا أنّ النقاش حوله تخطّى الإطار التشريعي، ليصل إلى مسألة فلسفية تتعلق بطبيعة إدارة الجامعة اللبنانية: هل هي مؤسسة تقوم على التداول والانفتاح، أم تتجه نحو مركزية مفرطة قد تفضي إلى نوع من “البيروقراطية التوتاليتارية” التي تقوّض الإبداع والتجديد؟

تغيير هويّة الحكومة في الجامعة اللبنانية
التعديل ليس تقنياً وحسب. بل هو يشير إلى احتمال فرض تحوّل في هويّة “الحَوكَمَة” الجامعية. طرف يراه ضرورة لضمان الاستمرارية، وآخرون يعتبرونه مدخلًا لتكريس السلطة وتأبيدها.
وبينهما تقف الجامعة اللبنانية أمام مفترق طرق: إمّا الحفاظ على روح قانونها، أو الانزلاق نحو نموذج إداري مختلف، قد تكون كلفته عالية على المدى الطويل.

 

اقرأ أيضاً: ضابط يُمارس التشبيح في البقاع؟